الاثنين، 1 أبريل 2013

في سبيل تعزيز البرمجيات الحرة في المؤسسات العمومية


ريتشارد م. ستالمان
Richard M. Stallman
ترجمة: فيصل الأمين البقالي



تقديم عام :

يقترح هذا المقال سياسة قوية ومحددة في سبيل تعزيز مكانة البرمجيات الحرة2 في مؤسسات الدولة وتوجيه البلد بكامله نحو الحرية المعلومتية.

تتلخص مهمة الدولة -إجمالا- في تنظيم المجتمع وضمان حريته و توفير العيش الكريم له، ولذلك فإن عليها - في الجانب المعلومتي- أن تجعل من مهامها تشجيع المستخدمين على خيار الحرية المعلومتية من خلال تبنيها للبرمجيات الحرة.

إن الدولة بحاجة إلى فرض البرمجيات الحرة على نظمها المعلومتية لأنها بذلك تضمن سيادتها في هذا المجال (بمعنى أن تتولى بنفسها مراقبة نظامها المعلومتي). وبما أن للمستخدمين الحق في التحكم في معلومتيتهم3، فإن ذلك يجعل الدولة مسؤولة أمام مواطنيها بشأن محافظتها على التحكم في الأنشطة المعلومتية الموجهة لفائدتهم. ولما كان كثيرٌ من أنشطة الدولة يمر الآن عبر الوسائط المعلومتية كان تحكمها في هذه الأداة -التي لا تتم إلا بواسطتها تلكم الأعمال- شرطا في قدرتها على التحكم في هذه الأنشطة. إن فقدان التحكم في النظام المعلومتي لمؤسسة وطنية مهمة واحدة إنما هو ضرب في الصميم لمفهوم الأمن القومي.

إن الانتقال نحو البرمجيات الحرة سوف يمكن من فوائد مهمة إضافية (على ما سبق ذكره) تتمثل أساسا في الاقتصاد الذي يوفره للميزانية و الحركية التي يخلقها في الإنتاج المحلي للخدمات المعلومتية.

معالم على طريق تعزيز البرمجيات الحرة في مؤسسات الدولة : 

في هذا النص، نعبر بـ"مؤسسات الدولة" عن كل مستويات الشأن العام فنعني بها المؤسسات العامة بما فيها المدارس والمؤسسات التعليمية العامة، و نعني بها شركاء القطاع العام من الخواص، و نعني بها المؤسسات المُمَوَّلة بشكلٍٍ رئيسٍ من الدولة، ونعني بها أيضا الشركات الخاصة التي تتحكم فيها الدولة أو التي أعطتها امتيازات معينة او كلّفتها بمهام خاصة.
  1. يعتبر المجال السِّياسي الذي يتعلق بالتربية والتعليم الأهم بين كل الانشغالات السياسية على اعتبار أنه المحدد لمستقبل الأمة. لذلك لا يجوز أن تتبنى الأنشطة التربوية التعليمية -خصوصا تلك التي تؤطرها المؤسسات التعليمية التابعة للدولة- إلا البرمجيات الحرة فلا تقود التلاميذ بأي حال من الأحوال نحو أي برنامج خارج إطارها.. كما ينبغي أن تدرس الأسس المدنية التي من أجلها يتم تعزيز حضور البرمجيات الحرة ﻷن تدريس برنامج غير حر إنما هو تدريس (أو قل تكريس) للتبعية وعدم الاستقلال وهو ما ينافي جوهر الرسالة التربوية.
  1. إن نتائج السياسات العامة المؤثرة في طبيعة البرامج المستخدمة من قبل الخواص والمؤسسات مهمة وأساسية ولذلك:
  1. ينبغي تعديل القوانين و الممارسات في القطاع العام بحيث لا يكون هناك إكراه أو إجبار بشكل مباشر أو غير مباشر لأي شخص أو مؤسسة على استخدام أي برنامج غير حر. بل وينبغي ألا يتم تشجيع عادات التواصل والنشر التي من شأنها أن تؤدي إلى ذلك (بما في ذلك ما يتعلق بالقوانين التي تعنى بتدبير الحقوق الرقمية4).
  2. كلما قامت مؤسسة عمومية بتوزيع برامج معينة على العموم بما فيها البرامج التي تستخدم على مستوى مواقع الإنترنيت أو التي تحتاجها هذه المواقع فإنه يلزم أن تكون برامج حرة وقابلة للاستخدام في أوساط حرة تامة5.
  3. إذا قامت مؤسسة عمومية بتوزيع أي برنامج على العموم بما فيها البرامج المنضمنة في صفحات الويب أو المستلزمة من طرفها، فإنه يتعين على هذه البرامج أن تكون برامج حرة وقابلة للاشتغال في وسط حر تام.
  4. ينبغي تصميم المواقع الشبكية وخوادم (الحواسب المركزية) مؤسسات الدولة للاشتغال بشكل كامل في أوساط حرّة بشكل تام على مستوى حواسب المستخدمين.
  5. ينبغي على مؤسسات الدولة أن تستخدم بشكل حصري صيغ الملفات وبروتكولات التواصل المعتمدة في البرمجيات الحرة خصوصا تلك التي تم الإعلان عن خصائصها. ( لا نعلن هذه القاعدة كيما تطبق على ما هو نموذجي بل نحن نعتقد بوجوب تطبيقها حتى على التطبيقات غير النموذجية) قعلى سبيل المثال، لا ينغي توزيع تسجيلات صوتية أو مرئية بصيغ تقتضي وجود برامج كفلاش أو كوديكات غير حرة. وكذلك بالنسبة للمكتبات العامة، فلا ينبغي أن توزع أعمالا مرفقة بوسائل تدبير الحقوق الرقمية.
  1. هناك الكثير من السياسات التي تمس بالسيادة المعلومتية للدولة. فلذلك على مؤسسات الدولة أن تقوم بالإشراف على نظمها المعلومتية وأن لا تفوته لجهة خاصة معينة مطبقة هذه القاعدة على كل ما له علاقة نظامها المعلومتي سواء تعلق الأمر بالحواسيب أو بالهواتف الذكية :
  1. فعلى كل مؤسسات الدولة أن تنتقل إلى البرنامج الحر بحيث لا تدخل في نظامها برامج غير حرة ولا تستمر في استخدامها إن كانت موجودة من قبل إلا بشكل مؤقت. وفي هذا السياق ينبغي إعداد وكالة مختصة يرجع إليها البث في مثل هذه الإعفاءات المؤقتة والمبررة أسبابها الملحة بحيث يكون هدفها تقليص هذه الإعافاءات والحاجة إليها إلى الصفر .
  2. عندما تقوم مؤسسة عمومية بتمويل مشروع معلومتي فإنه يجب التنصيص في العقد على وجوب جعل البرنامج حرا وقادرا على الاشتغال في وسط حر تام. كما ينبغي التنصيص على أن الإخلال بهذا الشرط عائق دون الأداء.
  3. عندما يتم شراء أو كراء أجهزة حاسوبية، فإنه ينبغي اختيار النماذج الأوفق من حيث النوعية والخصائص والقدرات للاشتغال بدون أي برنامج ممتلك (غير حر). ولهذا يجب توفير لائحة بالنماذج الموافقة لمحددات البرمجيات الحرة مع تفضيل ما توفر منها للدولة وللعموم على المتوفر للدولة فقط.
  4. على الدولة أن تقوم بعمليات تفاوضية قوية مع أرباب الصناعة من أجل تغذية السوق (سواء بالنسبة للدولة أو للعموم) بشكل تفضيلي بالأجهزة الحاسوبية المناسبة والتي لا تحتاج إلى أية برامج امتلاكية.
  5. ينبغي للدولة أن تدعو غيرها من الدول للتفاوض بشكل جماعي مع الشركات المصنعة للأجهزة والأدوات الحاسوبية لإخراج المنتوجات المناسبة. فسوف يكون لذلك وزن وأثر أكبر.
  1. يفترض أمن وسيادة الدولة على المستوى المعلومتي وجود تحكم في الحواسيب التي تشتغل لحسابها. هذا يقتضي تجنب العمل في إطار تقنية saas أو البرامج مصرفة خدماتٍ إلا إذا كان ذلك في إطار وكالة عمومية وفي احترام تام للاختصاصات سواء منها المتعلقة بفصل السلط أو تلك التي تتعلق بمنطق الحكامة. وبشكل عام يجب التحرز من كل ما كم شأنه أن يضعف من سيطرة الدولة على نظامها المعلومتي ولذلك، ينبغي أن يكون كل حاسوب مستخدم في إدارة عمومية قد تم الحصول عليه من طرف جهة منتمية لنفس قطاع السلطة (التنفيذية أو التشريعية أو القضائية) التي تنتمي إليها الإدارة المستخدمة بحيث لا يحق ﻷي جهة خارج إطار قطاع السلطة المعني أن تقرر في من له الحق في الدخول إلى ذلك الحاسوب أو من بإمكانه أن يقوم بصيانته (سواء في ذلك العتاد و البرامج) أو الفصل في البرامج التي يجب أن تثبت عليه. وفي حالة ما إذا كان الجهاز غير محمول، فإنه يتعين استعماله في فضاء تعود ملكيته إلى الدولة أو هو تحت تصرفها بشكل من الأشكال.
  1. هناك سياسة أخرى تهم تطوير البرامج الحرة وغير الحرة:
  1. على الدولة ان تشجع المبرمجين على خلق وتطوير البرامج الحرة وكذلك كل من يساهم في تقديمها إلى العموم وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات كالإعفاءات الضريبية مثلا و غيرها من صنوف التشجيعات المالية. وفي المقابل لا تقدَّم أية إجراءات تشجيعية لعمليات التطوير أو التوزيع أو الاستخدام التي تتعلق بالبرامج غير الحرة.
  2. لا ينبغي أن يسمح لمطوري البرامج الامتلاكية "بتقديم" نسخ للمدارس في مقابل تخفيضات ضريبية مرتكزة على القيمة الاسمية للبرنامج. إذ لا مشروعية للبرامج الامتلاكية داخل المدارس. 

    ختاما، هذه إجراءات من شأنها أن تعيد للدولة سيادتها على نظمها المعلومتية، وتعطي كذلك القدرة على التحكم في النظم المعلومتية بالنسبة لعموم المواطنين وشركات ومنظمات البلد.


1 أنظر الأصل الإنجليزي على الرابط الآتي :
  http://www.gnu.org/philosophy/government-free-software.en.html
أو بالفرنسية على الرابط الآتي:
http://www.gnu.org/philosophy/government-free-software.html

2
الرمجيات الحرة : المقابل العربي لـ freeSoftware أو Logiciels Libres

3
المعلومتيات : مقترح لترجمة كلمة Informatics أو L'informatique ونعتقد أنها أفضل من كلمة الإعلاميات وأصح من كلمة المعلوميات أو المعلوماتيات

4
تدبير الحقوق الرقمية هي مقترح ترجمة لمصطلح DRM أو Digital Rights Management أو Digital Restriction Management لمزيد من المعلومات حول تدبير الحقوق الرقمية يرجى مراجعة المقال التالي:
http://fr.wikipedia.org/wiki/Gestion_des_droits_num%C3%A9riques

5
نقصد باﻷوساط الحرة التامة الأوساط التي لا يشتغل عليها أي نوع من البرامج التي لا تحترم الحريات الأربع التي تعترف بها الـFSF (مؤسسة البرمجيات الحرة = Free SoftWare Foundation) كأن يكون نظام التشغيل حرا تاما ولكن يستخدم برامج مكتبية غيرحرة أو العكس وهنا لا بد من الإشارة إلى أن البرنامج الحر ليس بالضرورة برنامجا مجانيا وإنما هو برنامج يحترم الحريات الأربع المشار إليها آنفا وهي :
حرية0 : حرية تشغيل البرنامج، لأي غرض كان
حرية1 : حرية دراسة كيفية عمل البرنامج، وتعديله ليعمل وفق رغبات الشخص وعليه فلا بد من الوصول إلى الشيفرة المصدرية (source code)
حرية2 : حرية إعادة توزيع نسخ من البرنامج سواء في إطار تجاري أو خيري
حرية3 :حرية توزيع نسخ معدَّلة من طرف من شاء لمن شاء مع ضرورة كفالة نفس الحقوق لمن يحصل على نسخته المُعدَّلة

الخميس، 7 فبراير 2013

مرام





   "مرام" : رضيعة بقالية طاهرة .. كانت أول أهل أخي حمزة أبي الأمين نزولا بالجنان .. قَدَرُ الله اختارها .. رحمها الله وآجرنا في مصيبتنا بها

مرامٌ.. لَمْ يَتِمَّ أيا "مرامُ" .. وَهَجْرٌ .. لَمْ يَكُنْ فيهِ سَلاَمُ

وَجَفْنٌ .. سالَ أدْماهُ التَّمَنِّي .. وقَلبٌ .. هاجَ أضْناهُ الهُيامُ

أساءَ الْخَلقُ حتَّى لَمْ تَرَيْهِمْ أُناساً بَيْنَهُمْ يحلو المقامُ؟

رَأيتِ العَيْشَ فيهم مَحْضَ ذُلٍّ .. وعيشُ الذّلّ يَهْجُرُهُ الكِرامُ

رَمَقتِ القَابِلَ الْمَفْتونَ شَزْراً .. يَلوحُ على البَياضِ به القَتامُ2

يُدِلُّ بِكَيْدِهِ جَشِعاً زَنيماً .. وَطرفُ أبيكِ جَهْمٌ3 مُسْتَهامُ

يُناوِشُهُ اللِّئامُ وَليسَ أقْسَى مِنَ الضِّرغامِ ناوَشَهُ اللِّئامُ
***

أخي رَحِمَتْك في شَمَمٍ "مرامُ" .. ودمعُك هامل هَتْنٌ رِهام4

رأتك مكابدا رخوا خبيثا .. كأن كلامه الموت الزّؤامُ5

يساوم بالحياة .. وليس فيها لغير الحبِّ بيعٌ أو سُوام

رأت أنفا عزيزا راح يحمى .. وصدرا فيه من غضب ضِرام

فَحَرَّكَت الشجونُ لها جَنَاحاًً .. إلى الفردوسِ يَتبَعُها الحَمَامُ

تُهَيِّئُ في الجنانِ لَكَ الحَشايَا وَخُدّاماً .. إذا ما جِئتَ قَامُوا

وَتَسْقيكَ الشَّرابَ الخَتْمَ صِرْفاً .. وَتَبْسِمُ حينَ يَحلو الابْتِسَامُ
***

أبِنْتَ العمِّ عينَكِ كَفْكِفيهَا .. فَسَعْدُكِ واعِدٌ صِدْقٌ أمامُ

أرى خَلْفَ السُّدوم خُيوطَ نُورِ .. لَهَا بَدرٌ يُزَيِّنُهُ التَّمَامُ

أرَى الفردوسَ تَسْكُنُهُ فَتَاةٌ .. تُهَيِِّؤُهُ إذا حَانَ الخِتَامُ

تهيؤه لأحبابٍ كِرامٍ .. لَها مَعهُم وثاقٌ والتزامُ

أميرَتَهُ غَدَتْ .. تَخْتَالُ فيهِ .. لِتُدْخِلكُم وَقدْ كَثُرَ الزِّحامُ

ودارُكُمُ هُناكَ .. وَقَدْ تَسَامَى لكُمْ فيها -بِمَقْدَمِهَا- الْمَقامُ
***

وَقَالَ الناسُ : تَبْكيها؟ وَلمَّا تَرَاهَا؟ أوْ يَكُن لكُمَا الْتِئامُ؟

رَضيعَةُ لَيْلَةٍ لاَ أُنْسَ فيها .. مَضَتْ في الْفَجْرِ يَسْتُرُها الظَّلامُ؟

أتَألَفُها؟ وَلَمْ تَكُ غَيْرَ طَيْفٍ خَفيفٍ لاَ لَهُ في العُمْرِ عَامُ؟

أقولُ لَهُمْ وشَزْرائي سِهامُ .. وَجَنْبي .. بَيْنَه الغُصَصُ الضِّخامُ :

بِعِزِّ نُفوسِنَا عَزَّتْ "مرامُ" .. وَماءِ عُيونِنا غُسِلَتْ "مرامُ" ..

وَلَفْحِ صُدورِنا كُفِنَتْ "مرامُ" .. وَأرْضِ قُلوبِنَا سَكَنَتْ "مرامُ" ..

مَتَى رَأتِ البَتُولُ الكونَ خِلْواً مِنَ الأكْفَا .. تَزَوَّجَهَا الْحِمَامُ6

فهل نبكي؟ ولِمْ نبكي عليها؟ وهذا المجد شعشع والوَسامُ؟

***

نَعَمْ .. نَبْكي .. وَتَبْكي كُلُّ عَينٍ تَرَى ضَيْماً عَلَى مَنْ لاَ يُضَامُ

بُنَيَّتُنا مَضَتْ نَحْوَ المَعالي فَلاَ جَزَعٌ كبيرٌ أو لَمامُ

وَلكن ما يزالُ الْجَورُ يَحْسُو دمَ الأحياءِ ليسَ لهُ لِجامُ

فكمْ فينا "مَرَاماً" في حَلالٍ أتَتْ .. دَمُها أُبيحَ وَهُوْ حَرامُ

إذا بَقِيَ القُساةُ لنا أُسَاةً7 .. فلا جرحٌ يُبَلُّ ولا سِلامُ8

فَغَنِّ مَحامِدَ الأعْلينَ إنَّا بِأخْبَارِ العَلاءِ لَنَا ذِمامُ9

بُنَيَّتُنَا مَضَتْ .. فَالْقَلْبُ حَمْدٌ .. وَنوحٌ قد يَنُثُّ بِهِ الكلامُ

مرامٌ لَمْ يَتِمَّ أيا "مَرَامُ" .. فِدَاؤكِ رُوحُ عَمِّكِ يِا "مرامُ"



2 القتام : السواد
3
الجهم : العبوس
4
الهتن الرِّهام: المطر الصغير الدائم المعاود
5
الموت الزؤام : العاجل المُجهز .. وقيل الكريه وهو الأصح
6
هذا المعنى مأخوذ من بيتٍ لأبي الطيب المتنبي يقول فيه : وإذا لم تجد من الناس كُفْأً ذاتُ خدرٍ .. أرادتِ الموتَ بَعلا
7
الأساة : الأطباء
8
يُبَلُّ : يُشفى والسِّلام بكسر السين لدغة الحية
9
جمع ذمة وهو العهد والكفالة

الأربعاء، 16 يناير 2013

ربيعٌ في ربيعٍ





أَهَاجَ الحُسْنُ بُلْبُلَهُ فَغَنَّى .. فؤادٌ في الهَوَى أمسى مُعَنَّى

فؤادٌ لاحَ مُنْتَشِياً طَروباً .. فَهَلْ نَالَ الوِصَالَ بِمَنْ تَمَنَّى؟

أحَقًّا ما يَظُنُّ الصَّبُّ وَصْلاً؟ .. أتَمَّ الوَصْلُ كيفَ إذَنْ؟ وأنَّى؟

بِعَيْنٍ في عَمَاهَا كُلُّ شَيْءٍ يُرَى إلاَّ سَنَا مَنْ كَانَ أسْنَى؟

بِنَفْسٍ تَشْتَهي في الطِّينِ عَيْشاً؟ .. وَقَوْلٍ في الْمَسَامِعِ كانَ أخْنَى؟

بِقَلْبٍ يُبْصِرُ الآياتِ تَتْرَى .. وَشَهْدَ الْخُلْدِ فيها كيفَ يُجْنَى

فَيَجْرِي لاَهِثاً في كُلِّ وادٍ .. وَيَجْني مِنْ غَريرِ الْبَيْعِ غَبْناَ؟

أَلاَ إنَّ الوِصَالَ أخِي لِنَفْسٍ تَرَى حُبَّ المَعَالي كَانَ أغْنَى


***

أتَيْنَا بَابَ أحْمَدَ (ص) في مُسوحٍ .. نُنَاشِدُهُ بها فَرَحاً وَحُزْنا

نُناشِدُهُ بِها أنَّا أُناسٌ بَنو صَحْوٍ .. وَلكِنَّا ثَمِلْنَا

ثَمِلْنَا مِنْ نَزيفِ الْحَقِّ فينا .. وَمِنْ كَأسِ الْخَنَى حَتَّى انْحَنَيْنَا

ثَمِلْنَا أنَّنَا صُمْنَا طَويلاً .. فَأمْسَى فِطْرُنَا نَزَقاً وَشَيْنَا

وَكابَدْنَا مَغَامِزَ كُلِّ بَاغٍ .. يَزيدُ جِراحَنا بالصَّمْتِ طَعْنا

نَعَمْ .. ضِعْنَا .. وَضَيَّعْنَا وَصَايا مُحَمَّدِنَا(ص) .. وَبدَّلْنَا .. وَبِعْنَا

فَها الْيَوْمَ انْبَعَثْنَا مِنْ جَديدٍ .. وَصِحْناَ: يَا مُحَمَّدُ (ص) نَحْنُ تُبْنَا..


*** 

نَعَمْ .. تُبْنَا حَبيبَ اللهِ .. تُبْنَا .. وَعَانَقْنَا حَقائِقَنا .. وثُبْنا

أُسارى لِلْهَواجِسِ نَحْنُ كُنَّا .. نُلاعِبُ جُرْحَنَا كَمَداً وَجُبْنَا

فَفي الْميلادِ نُعْلِنُها جِهَاراً .. مُحَمَّدُ .. إنَّنَا هَا قَدْ بُعِثْنَا

خَلَعْنَا جُبَّةَ الإذْلالِ عَنَّا .. وَحُقَّ لَنَا اتِّبَاعُكَ حِينَ ثُرْنَا

فإنْ يَقْبَلْ جَنَابُكَ ذَاكَ مِنَّا .. شَدَوْنَا .. إي وَرَبِّ النَّاسِ فُزْنا !

***


بُعِثْنَا يَا مُحَمَّدُ مِنْ جَديدٍ .. عَلَى شَفَةِ الْقَصيدِ نَقُولُ .. عُدْنَا

عَلَى شَفَةِ الْقَصيدِ .. نُرَى رُوَاةً .. لَدَى التَّاريخِ مُنْبَهِراً .. وَقَفْنَا

لَدَى التَّاريخِ .. نَكْتُبُ مَا أرَدْنَا .. وَنَمْحُو مَا أرَادَ الْبَغْيُ مِنَّا

لَدَى التَّاريخِ .. نَكْتُبُ مِنْ دِمَانَا .. وَنُسْمي ما بِأمْسٍ كانَ يُكْنَى

لَدَى التَّاريخِ .. نَجْعَلُ مِنْ أسَانَا رِياضاً فيهِ مَدَّ الحُلْمُ غُصْنا

لِذَا عَيَّ المِدادُ وَكانَ طَلْقاً .. فَرَدَّدَ قَوْلَنا .. إذْ نَحنُ قُلْنَا


***

لِمَوْلِدِ حِبِّنَا في الروحِ أمْرٌ لِمَنْ بالشَّوقِ فيهِ كانَ مُضْنَى

إذَا لَمَعَتْ بَوارِقُ منْ بَعيدٍ لِمَشْرِقِهِ .. انْتَبَهْنَا وَقْتَ ذُبْنَا

تَرَى كُلَّ البُيُوتِ لَهُ اشْرَأبَّتْ نَوافِذُهَا .. فَلَيْسَ تُنيمُ جَفْنَا

تَسيلُ مَدَامِعُ العُشَّاقِ بَحْراً .. فَتَمْخُرُهَا قَوافي الشِّعْرِ سُفْنا

تراتيلُ الهُداةِ تَرِفُّ رَاياً .. وَأذكارُ السُّراةِ تُنيرُ حُسْنا

وأصواتُ الحُداةِ عَلى الحَنايا تَصُبُّ خُمُورَهَا وَتُميطُ رَيْنا

تَصُبُّ عَلَى المَطامِعِ مَاءَ زُهْدٍ .. وَتكْسو عارِياتِ الْفِكرِ مَعْنى

فَكَمْ في مَوْلِدِ الهادي سَعِدْنا .. وَكمْ في مَقْدَمِ الذِّكرى انْتَشَيْنا

وَكمْ رُضْنا عَواصي النَّفسِ فينا .. فكانَ شِفاؤُها غُنْماً وَمَغْنى

***

وَوَلىَّ يومُنا ولنا شُؤونٌ... فُرادى ... أوْ جَماعاتٍ وَمَثْنَى

نَقومُ لربِّناَ تَحْتَ اللَّيالي .. وَلِلْمُسْتَضْعَفينَ نَقُومُ عَوْنا

الاثنين، 14 يناير 2013

على آثارهم



في رثاء سَيِّدَيَّ الإمام عبد السلام ياسين والعارف المُعَمَّر محمد البقالي الجسني الداهري
(رحمهما الله تعالى)




مَضَتْ بَوَاكٍ وَرَاءَ النَّعْشِ تَتْبَعُهُ .. وَرُحْتُ أنْدُبُ نَفْسِي بَعْدَهُ وَجِلا

أكُلَّمَا أبْصَرَتْ عَيْنِي الضِّيَاءَ ضُحىً .. ألْفَيْتُ مِنْ جَفْنِهَا الدَّيْجُورَ مُنْسَدِلا

حُجُوبُ نَفْسٍ .. كأنَّ الدَّهْرَ رَاهَنَهَا علَيَّ دَوْماً .. فلاَ أنْفَكُّ مُنْخَذِلا

أرَى النَّسيمَ وَلَكِنْ لَسْتُ أُمْسِكُهُ .. أعْطَيْتُ كَفِّي الَّذِي لِلأنفِ قَدْ جُعِلاَ

حَولاً رَأيْتُ لَهَا .. لوْ مِنْهُ قَدْ بَرِئَتْ نَفْسٌ قَدِ امْتَلَأتْ مِنْ زَيْفِهَا أمَلا..

نَفْسٌ تَرَى كَتَدَ الأَمْجادِ أنَّ لَهَا مَدْحاً يُكَالُ .. ومَا مِكْيالُهُ اعْتَدَلا

نَفْسٌ تَرَى رَجُلاُ ثَبْتاً .. وقَدْ حَمِيَتْ نُفُوسُ قَوْمٍ .. لِغَيْرِ اللَّهِ مَا نَزَلا

قَدِ اعْتَلَى صَهْوَةَ الرِّضْوَانِ فِي ألَقٍ .. مضَى لِغَايَتِهِ .. وَالْقَصْدُ قَدْ حَصَلا

دُنْيَاكِ يِا نَفْسُ لَا تُغْري عُيُونَ غَدِي .. أنْتِ الْعَدُوُّ وَحَبْلي فِيكِ قَدْ فُتِلا

لَوْ قَدْ عَلِمْتُ عَدُوَّ العُمْرِ يَا عُمُري .. إذْ رَاحَ يَسْلُبُني أنْفَاسَهُ جَذِلا

إذَنْ .. لَمَا كُنْتُ مَنْ قَدْ كُنْتُ يَا عُمُري .. إذَنْ لَقَبَّلْتُ أعْتَابَ الَّذي رَحَلا
***

قَدْ جِئْتُ أرْثِي حَبِيباً غَابَ مَطْلَعُهُ .. فجَاءَنِي نَعْيُ حِبٍّ نَحْوَهُ انْتَقَلا

كَأنَّمَا دَارَةُ الأفْلاكِ قَدْ جُمِعَتْ لِطَيِّ أسْرَارِهَا .. والنُّورُ قَدْ أفَلا

وَالأرْضُ قدْ زُلْزِلَتْ قَبْلَ الأوَانِ وَلَمْ تَتْرُكْ لِذِي وَطَرٍ في الْكَوْنِ مُعْتَزَلا

فَأيُّ حِضْنٍ يَضُمُّ الْوالِهين غَداً؟.. وَأيُّ هادٍ يَسُدُّ النَّقْصَ وَالخَلَلا؟

أسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ جَهْلٍ وَمِنْ خَوَرٍ .. ومِنْ لِسَانٍ رَغَا فَاسْتَحْلَبَ الزَّلَلا

مَا غَابَ نَجْمٌ أحَبَّ النَّاسُ وَمْضَتَهُ .. إلاَّ انْبَرَى وَامِضٌ يَسْتَكْمِلُ الْعَمَلا
***

يا راثِياً عَابِرينَ الْمَجْدُ خَلَّدَهُمْ: مَا كَانَ يَرْثِي الَّذي مَا مَاتَ مَنْ عَقَلا

ﻷَنتَ أوْلَى بِهذا النَّعْيِ .. إنَّ فَماً لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ لِلأرْواحِ قَدْ قَتَلا

أوْلى بِهذا الرِّثاءِ الْيَومَ قافِيَةٌ تَخِبُّ في بَحْرِهَا .. وَالْحَرْفُ قَدْ ثَمِلا

تَخِبُّ في بَحْرِهَا .. وَالتِّيهُ بَوْصَلَةٌ مَا زَادَتِ الْفُلْكَ إلاَّ الْوَهْمَ وَالْخَطَلا

والْمَوْجُ فَكٌّ عَضُوضٌ نَحْوَها فُتِحَتْ أشْدَاقُهُ حَالِبَاتٍ .. وَالدُّجَى سُدِلا

فَمَا مَقَالي: قَصِيدِي سَهْمُ بَوْصَلَتي؟.. وَمَا احْتِفائي؟ .. إذا ما البَرُّ قَدْ بَخِلا؟

إنَّ الرِّثاءَ هُنا ذِكرُ الأُلَى عَبَروا .. منْ سَارَ في دَرْبِهِ لاَ يَلْتَوي وَصَلا

إنَّ الرِّثاءَ هُنا ذِكرى لِمَنْ صَبَروا .. ذِكْرى لِذي مُقْلَةٍ لاَ تَغْفُلُ الأجَلا

ذِكْرى السَّواعِدِ لِلإسْلامِ شَمَّرَها الرِّجَالُ لَمَّا دُعُوا .. والْبَغْيُ قَدْ رَغَلا

قامُوا فُرادَى .. وَكانَ الْكَوْنُ يَسْمَعُهُمْ .. كأنَّهُم أمَروا التَّاريخَ فَامْتَثَلا

وَقَالَ بَاغٍ : أذاكَ الْفَرْدُ يَفْعَلُهَا؟.. فَجَاءَهُ الرَّدُّ : إي وَاللَّهِ قَدْ فَعَلا
***

جُروحَ قَلبي .. أرَاكِ الْيَوْمَ نَازِفَةً .. كَذَّبْتِ نَفْساً تَغَنَّتْ : "جُرْحُكَ انْدَمَلا"

فَمَا الدَّوَاءُ؟ وَهَا كُلُّ الأنامِ غَدَت أشْخَاصُهُمْ حُجُباً .. آراؤُهُمْ سُبُلا؟

أبَعْدَمَا أشْرَعَتْ تِلْكَ السُّيُوفَ يَدِي، وقَامَ لي طَالِبي يَسْتَنْفِرُ الْحِيَلا؟

وَالرِّيحُ تَزْأَرُ بِالأنْواءِ سَاغِبَةً .. يَصيحُ بي الْغِمْدُ: عُدْ! يا صَاحِ .. حَيَّهَلا ..؟

أخْطَأتِ مَوْعِدَكِ المَيْمُونَ يَا رِئَتي .. فَالآنَ لا تَشْتَكِي.. لا تَنْفُخِي مَلَلا

اَلْيَوْمَ أنْتِ أمَامَ الرِّيحِ وَاقِفَةٌ .. فَلْتَشْهَقي يَأسَهَا .. ولْتَزْفُرِي الأمَلا


طنجة في 30 صفر 1434 هـ
الموافق لـ 12 يناير 2013 م


الثلاثاء، 1 يناير 2013

خواطر ليلية


حائرا مرة أخرى على مفترق الطريق أرقب عُجَرَ الناس وبُجَرَهم .. متعجبا مما أرى .. سرمديَّ الاندهاش أمام مجتمع يموج:

أعجب من شبابٍ خرجوا كأنهم على موعد مع الأقدار .. لينثروا في ليل أمتنا الأقمار.. حديثهم بسيط ولكنه شفيف.. وسعيهم حثيث ولكنه عفيف..أعجب من أب مثلي في حاله والمقال ولكن ما أجبنته الزوجة ولا أبخله الأطفال .. أعجب من قائل لكلمة حق دونها رقاب تطير وشرٌّ -يقال عنه- مستطير.. أعجب من فقير ذي عيال ولكن قلبه لا يعرف المحال .. وأعجب لطالب علمٍ شَيَّع قلبَه في خوض الغمار والسخرية من واهم الإسار وتأخير نيل الأوطار ليكتمل له المسار .. وأعجب من زاهد في عالم البهارج، ثابت بين زيوف النواصب والروافض والخوارج .. وأعجب من قائد بقوم للريح بصدره العاري وعالم لم يرقب في طلبه الحقيقة إلا القيوم الباري..
 
ولكني أعجب أيضا من أبٍ غافل وأم مُحرِّضة.. من عاشق حاقد ومن حسناء متمردة .. من واعظ طماع ومن فقيه خداع .. من داعية لله -بزعمه- خفيض الصوت، وداعية للباطل لا تبدو عليه معرفة الموت.. وأعجب من مثقف متكبر ومن سياسي متبختر ومن مستضعف بالأمس واليوم متجبر .. أعجب من وغد يقود، ومن لص يدعي الجود.. ومن شذاذ الآفاق كيف تطفو بهم برك النتن فإذا هم جلوس على موائد القرار.. ولكن الأعجب منهم مهادنُهم بدعوى الحفاظ على الاستقرار .. عجبي طويل من ذوي الأحكام القطعية والآراء النهائية .. ومثله من ممططي الشفاه، لا يعجبهم العجب ولا الصوم في رجب.. أعجب لطالب الحق كيف ينزو فيذرب لسانه، وينقبض صدره فيشط به جنانه.. وكيف يحقد على مخالفيه فيتولد الباطل من فيه؟؟ مندهشا كنتُ وما أزال ممن يغيرون جلدهم كالأفاعي بين صبح العمر وبين العشية.. متعلما من كثير من آحادهم أن تغيير الجلد دركات..متيقنا أن تغيير القشرة النهائية بشكل قاطع وفجّ إنما يبدأ من تغيير جلدة القلب.. ويحكِ أيتها الرقطاء من قلبي.. لقد فطنت لكِ منذ زمان ولكني غالطت فراستي فيك .. ويحكِ فالزمان يدور كالرحى .. سوى أني -مع الأسف- لستُ ممن يتقنون فنَّ الشماتة حتى أذكرك بيوم تغيير المسار وليلة أوليت المرآة ظهرك المحدودب كي تتوهمين لك صورة أخرى .. ليلة اتخذت القرار.. يوم بعت نفسك لشويطين لن يلبث أن يتغول ويمرد حتى يستقيم شيطانا شديد البأس..
 
أيها الإخوان حذار من مجتمع نكره فيه أنفُسَنا.. إن كراهية النفس نهاية طريق تبدأ بكراهية الآخرين..علينا أن نتعلم الحبّ .. والحب علمٌ لو تدرون!! أوله عند قلبك وآخره تحت عرش الرحمن.. وبينهما تتدلى عناقيد الحلول لبؤسنا المزمن.. حيَّ على الحبّ أبها الناس.. الشجاعةَ الشجاعة.. الحب شجاعة.. شجاعة ضد عدو خبيث جاثم بين أضلعنا نخاف أن ننظر إليه، نخاف أن نكلمه، نخاف أن نكممه، نخاف أن نغله بله أن نقتلعه..
 
هُوَ الحُبُّ حَتَّى لا شَقَاءَ وَلا عَنَا + وَحَتَّى كَأنَّ النُّورَ ظِلُّ قَدِ انْحَنَى

في رثاء الإمام الجليل عبد السلام ياسين-مقر جماعة العدل والإحسان بطنجة


شرفنا الإخوان بإتاحة هذه الفرصة الطيبة للمشاركة معهم في وداع المربي والمرشد والمفكر والفقيه سيدي علبد السلام ياسين رحمه الله ونور مرقده وآنس وحشته وأعلى مقامه في عليين.. وألحقنا به تائبين طائعين لله رب العالمين

الأربعاء، 19 دجنبر 2012

في وداع الإمام الجليل سيدي عبد السلام ياسين رحمه الله







رُوحٌ تَسِيلُ وَبسْمَةٌ تَتَجَهَّمُ .. وَلِسانُ صَمْتٍ بالجَوَى يَتَكَلَّمُ

وَلِحىً مُخَضَّلَةٌ بِذَوْبِ أضالِعٍ كادتْ بِلَفْح هُيامِها تَتَضرَّمُ

وَخُطىً تَرَامَتْ لِلِّقاءِ .. فَلَمْ تَزَلْ دُونَ الِّلقَا أحْلامُها تَتَحطَّمُ

ضَبَحَتْ .. تَغُذُّ السَّيْرَ مِنْ دُون القَضَا .. وَسَنابِكُ الأقدارِ منها أحْكَمُ

ثُمَّ اْلتَقَتْ عندَ الْغِيابِ .. تَحَيُّراً .. فإذا بها حولَ الحِمَى .. تَتلَعْثَمُ

لولا الكِتابُ .. وصُحْبَةٌ قُدْسِيَّةٌ .. ظَلَّتْ بِحَيْرَتِها هُناك تُحوِّمُ

لَولا أريجٌ .. فاحَ منْ حَولِ الحِمَى .. تاهتْ .. وكانَتْ عنْ قَريبٍ تَعْزِمُ

فَتَرَجَّلَتْ عَنْ خَيْلِها .. وَتَحَلَّمَتْ .. وجِيادُها رَغْمَ الرِّضَاءِ تُحَمْحِمُ

وَقَفَتْ كَمَا وَقَفَ الْمُبَكِّرُ دونَها .. وَالقولُ قولٌ واحِدٌ لا يُكتَمُ

رَحَلَ الذين ﻷجْلِهِم رُكِبَ السُّرى .. بَقِيَ الَّذي مِنْ أجْلِهِ فَارَ الدَّمُ ..

.. منهاجُ أحْمَدَ(ص) .. عَادِلاً أوْ مُحْسِناً .. لِكَليْهِمَا قَالَ الإمامُ تَعَلَّمُوا

لِكليْهِمَا أهْدَى الإمامُ حَيَاتَهُ .. أطفالَهُ .. أحْبَاَبهُ .. فَتَقَحَّمُوا..

عَقَبَاتِها .. وَلِواؤُه في كفِّهِ لاحَتْ بها لَهُمُ الطَّريقُ .. فَمَا عَمُوا

فَتَوثَّبوا نَحْوَ الخِلافةِ رُتَّعاً .. والذَّكرُ يُلْهِمُهُمْ وَنِعْمَ المُلهِمُ

وَتَسَلَّمُوا ذاك اِّللوَا مِنْ بَعدِمَا كانَتْ سَوَاعِدُهُمْ تَحُلُّ وَتُبْرِمُ
***

يَا سَيِّداً .. أزْرى بِسَيْفٍ مُنْتَضىً لِقِطَافِ رَأسٍ طَامِحٍ يَتَبَرْعَمُ

أعْلَيْتَ رَأسَكَ دَوحةً منْ دوِنِه .. فَفَلَلتَهُ .. رَغْمَ الَّذينَ تَوَهَّمُوا

فَتَمَدَّدَتْ أغْصَانُكُم حَتَّى اسْتَوَتْ .. والنَّاسُ تَعْجَبُ .. والعِدَى تَتَجَمْجَمُ

وَالغَيبُ ناظِرَةٌ إليكَ عيونُهُ مِلْئَ الرِّضَا .. وشِفَاهُهُ تَتَبسَّمُ

نَطقتْ مُبَارِكةً .. فقُمْتَ تُجيبُهَا .. شأنَ الكريمِ يَجُودُ وَهْوَ يُكَرَّمُ

وَأجَبْتَهَا مُتَشَوِّقاً لِلَِقائِهَا .. فإذا الغِيابُ لنَا الْجَوَابُ المُفحِمُ

لَولاَ الْمَحَبَّةُ كَانَ رَدُّكَ لاذِعاً .. لكنَّ مَا يُرْضي العَظيمَ مُعَظَّمُ
***

يَا سَيِّداً .. رَقِيَ العُلَى في صَهْوَةِ الإيمانِ هذا وَامِقٌ مُسْتَلْهِمُ

ما كانَ ردُّكَ بالغِيَابِ عَنِ الوَرَى إلاَّ الحُضورَ .. سِوى بِأنْهُ مُلَثَّمُ

فَوُلِدْتَ فينَا مَرَّةً أُخرَى .. وكانتْ قبْلَها أُخْرَى .. وَأخْرى تُعْلَمُ

يَوْمَ اسْتَوْيْتَ عَلَى القِمَاطِ مُبَارَكًا .. بُشْرَى لِسوسٍ أنَّ مَجْدَكَ مُقْدِمُ

وَ ِبيَوْمِ نَاوَلَكَ الإمَامُ قِدَاحَهُ .. سُقْياَ بِخَمْرِ شَرَابِهِ تَتَنَعَّمُ

وَالْيَومَ إذْ رَفَعَ الشِّراعَ سَفينُكُمْ للْخُلدِ .. كانَ بهِ الخِتامُ البَلْسَمُ

فَلتُحْمَلَنّ عَلَى الرُّموشِ صِحَافُكُمْ .. وَلتُرْفَعَنَّ رُقُومُكُمْ وَتُنَمْنَمُ


فيصل الأمين البقالي 

طنجة في 4 صفر الخير 1434
موافق: 18 دجنبر 2012